الايام نيوز
الايام نيوز

د.عبدالمهيمن بادى يكتب: وقل اعملوا….

0

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على النبي الامين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

” وقل اعملوا…….”

مقدمة:
الدين الإسلامي عقيدة وعمل، وليس مجرد شعارات ومظاهر.
إن من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات المسلمة أن يتحول الدين في حياتها إلى مجرد عواطف مؤقتة، وشعارات رنانة، ومظاهر خارجية، ومناسبات موسمية، بينما تغيب آثاره الحقيقية عن السلوك والمعاملات، ويضعف أثره في الإصلاح والبناء وتحمل المسؤولية.

فليس المقصود من الإيمان أن تمتلئ القلوب بالمشاعر فحسب، ولا أن تلهج الألسنة بالكلمات، وإنما أن تتحول العقيدة إلى منهج حياة، والعبادة إلى قوة دافعة للعمل، والأخلاق إلى سلوك يومي، والعلم إلى تطبيق، والمحبة إلى تضحية، والإيمان إلى إصلاح وإعمار.
قال الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].

إنها دعوة صريحة إلى العمل، وتأكيد على أن حياة المؤمن لا ينبغي أن تقف عند حدود الأقوال والنيات، بل يجب أن تمتد إلى ميدان الإنجاز وتحمل المسؤولية.

أولاً: الإيمان الصادق لا بد أن تظهر آثاره في العمل

يربط القرآن الكريم بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع كثيرة، حتى أصبحت عبارة «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» من أكثر العبارات وروداً في القرآن الكريم.
كقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨].
وقوله:
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)

توضح سورة العصر أن النجاة لا تقوم على الإيمان وحده بمعزل عن مقتضياته، بل تشمل العمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

فالإيمان الذي لا يدفع صاحبه إلى الصدق، والأمانة، والعدل، والإحسان، والإصلاح، وخدمة الناس، يحتاج إلى مراجعة جادة لمدى انعكاس معانيه على حياته.

ولا يعني ذلك أن كل تقصير ينفي الإيمان، وإنما يعني أن الإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى المجاهدة والعمل والإصلاح، كلما أدرك تقصيره.

فالسؤال ليس فقط: بماذا نؤمن؟ بل: ماذا فعلنا بما نؤمن به؟

ثانياً: العبادات ليست مظاهر منفصلة عن الأخلاق والمعاملات

قد يحرص الإنسان على الصلاة والصيام وتلاوة القرآن، وهذه كلها عبادات عظيمة، لكن المقصود أن تنعكس العبادات على أخلاقه وسلوكه وعلاقته بالآخرين.
قال الله تعالى عن الصلاة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

وقال سبحانه عن الصيام:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].

فالغاية من هذه العبادات ليست أداء الحركات أو الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل تحقيق العبودية لله، وتربية النفس على التقوى، وتعويدها على ضبط الشهوات، والاستقامة على الحق.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه».رواه البخاري.

وهذا الحديث يؤكد أن الصيام لا ينبغي أن يكون مجرد امتناع جسدي، بينما يستمر الإنسان في الكذب والظلم وسوء المعاملة.
فلا قيمة تربوية مكتملة لصلاة لا يحرص صاحبها على الاستقامة، ولا تتحقق الغاية من الصيام إذا لم يسهم في تهذيب الأخلاق، ولا يكتمل أثر تلاوة القرآن إذا لم تدفع صاحبها إلى تدبر معانيه والعمل به.

إن العبادة الحقيقية تجمع بين صحة الأداء،وإخلاص القصد، وحسن الخلق، والعمل الصالح.

ثالثاً: لا يكفي أن نتحدث عن الأخلاق، بل لا بد أن نمارسها

– من السهل أن نتحدث عن الصدق، لكن الامتحان الحقيقي حين يكون الكذب أكثر منفعة لنا وفق ما نظن.
– ومن السهل أن ندعو إلى الأمانة، لكن الاختبار حين نكون قادرين على أخذ ما ليس لنا.
– ومن السهل أن نتحدث عن العدل، لكن الاختبار حين تكون مصلحتنا الشخصية في الانحياز إلى قريب أو صديق.
– ومن السهل أن ندعو إلى التسامح، لكن الاختبار حين نتعرض للإساءة.
–
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(٣)
(الصف ٣- ٣)
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: ٥٨].

إن الأخلاق الإسلامية ليست موضوعات للوعظ والخطابة فحسب، بل التزامات عملية تظهر في البيع والشراء، والوظيفة والإدارة، والحكم والقضاء، والعلاقات الأسرية، والتعامل مع المخالفين.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
متفق عليه.
فالمسلم الحق لا يكتفي بإعلان محبته للناس، بل يحرص على ألا يؤذيهم بلسانه أو يعتدي على حقوقهم.

إن صدق الأخلاق يظهر عند تعارض المبادئ مع المصالح، وعند القدرة على الظلم مع غياب الرقابة، وعند الاختيار بين الحق والمنفعة الشخصية.

رابعاً: لا يكفي حب الخير، بل لا بد من المبادرة إليه

كم من إنسان يتألم للفقر، ويتعاطف مع المرضى، ويحزن لمآسي الناس، ويتحدث عن مشكلات المجتمع، لكنه لا يبذل جهداً لمعالجة شيء منها، مع قدرته على المساهمة.

إن العاطفة الصادقة مطلوبة، لكنها ينبغي أن تكون بداية للعمل، لا بديلاً عنه.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
تربط الآية بين الإيمان والعبادة والبذل والعطاء، وتبين أن البر ليس مظهراً شكلياً، بل منظومة متكاملة من الاعتقاد والعبادة والعمل والإحسان.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كلُّ معروفٍ صدقةٌ».
متفق عليه.
فالمعروف لا يقتصر على المال؛ فقد يكون بتعليم جاهل، أو مساعدة محتاج، أو إصلاح بين متخاصمين، أو إرشاد إنسان، أو إتقان عمل، أو تقديم خبرة تنفع المجتمع.

وليس مطلوباً من كل إنسان أن يفعل كل شيء، وإنما أن يؤدي ما يستطيع، في حدود قدرته ومسؤوليته.

– فمن امتلك المال فليبذل،
– ومن امتلك العلم فليعلّم،
– ومن امتلك الخبرة فليوظفها،
– ومن امتلك الوقت فليخصص منه ما ينفع الآخرين.

لا تسأل فقط: كم أشعر بمعاناة الناس؟ بل اسأل أيضاً: ماذا قدمت لتخفيفها؟

خامساً: لا نهضة بالأماني والشعارات من دون عمل وإجتهاد

تتطلع المجتمعات إلى التقدم والنهضة، وتكثر فيها المؤتمرات والخطب والمبادرات والشعارات، لكن النهضة لا تتحقق بكثرة الحديث عنها، وإنما بتحويل الأهداف إلى خطط، والخطط إلى برامج، والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس.
قال الله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ.وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: ٣٨-٤٠].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].

فالنهضة تبدأ بإصلاح الإنسان، وتنمية وعيه، وإتقانه عمله، واحترامه الوقت، وتحمله المسؤولية، ثم تمتد إلى إصلاح المؤسسات والمجتمع.

– ومن أراد نهضة التعليم، فعليه أن يحسن إعداد المعلمين، ويطور المناهج، ويحسن بيئة التعلم، ويقيس النتائج.

– ومن أراد مكافحة الفقر، فعليه أن يدعم التعليم والتدريب والإنتاج، ويطور فرص العمل، ويحسن توجيه الموارد.

– ومن أراد الإصلاح الإداري، فعليه أن يحارب الفساد، ويرسخ الشفافية، ويضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ويربط المسؤولية بالمحاسبة.

– ومن أراد الوحدة الوطنية، فعليه أن يعزز العدل، ويحترم التنوع، ويعالج المظالم، ويقدم المصلحة العامة على العصبيات الضيقة.

فلا يكفي أن نرفع شعار العلم من دون تعليم جيد، أو شعار التنمية من دون إنتاج، أو شعار النزاهة من دون محاسبة، أو شعار الوحدة من دون عدل.

إن قيمة الشعارات تُقاس بما تحدثه من تغيير، وقيمة الخطط بما تحققه من نتائج، وقيمة المسؤوليات بما يصاحبها من إنجاز.

سادساً: العمل الصالح يشمل إتقان الوظائف وتحمل المسؤوليات

يظن بعض الناس أن العمل الصالح يقتصر على الشعائر الدينية أو أعمال البر المباشرة، مع أن ميادين العمل الصالح أوسع من ذلك، متى كان العمل مشروعاً، وقُصد به الخير، وأُدي بأمانة وإتقان.

– فالمعلم الذي يحسن تعليم طلابه يؤدي رسالة عظيمة،
– والطبيب الذي يعالج المرضى بأمانة يؤدي واجباً إنسانياً،
– والمهندس الذي يتقن عمله يسهم في البناء،
– والمزارع الذي ينتج الغذاء يخدم المجتمع،
– والموظف الذي يحترم وقت الناس وحقوقهم يؤدي أمانته.
– والجندي الذي يخلص في الدفاع عن وطنه يؤدي إمانته.

قال الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ اللهَ كتب الإحسانَ على كلِّ شيء». رواه مسلم
والإحسان يشمل إتقان ما يقوم به الإنسان من أعمال مشروعة، والحرص على أداء الحقوق، وتجنب الإهمال والغش
والتقصير.

ومن غير المقبول أن يتحدث الإنسان عن الفضائل الدينية، ثم يهمل وظيفته، أو يؤخر مصالح الناس، أو يغش في تجارته، أو يتهاون في واجباته الأسرية والاجتماعية.

فكيف نطالب الآخرين بالإصلاح ونحن لا نتقن ما وُكل إلينا؟
إن احترام الوقت، وإتقان العمل، والوفاء بالعهود، وصيانة المال العام، وأداء حقوق الناس، كلها ميادين عملية تظهر فيها حقيقة الأخلاق والإيمان.

سابعاً: لا يكفي أن نحب القرآن او نحفظه، بل لا بد أن نجعله منهجاً للحياة

إن محبتنا للقرآن الكريم وتعظيمنا وحفظنا له من أعظم شعائر الدين، لكن من تمام هذه المحبة أن نتدبر آياته، ونتعلم أحكامه، ونعمل بتوجيهاته، ونجعل قيمه حاضرة في سلوكنا وقراراتنا.
قال الله تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ص: ٢٩].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: ٩].

– فإذا قرأنا آيات العدل، وجب أن نتعلم كيف نقيم العدل في حياتنا.
– وإذا قرأنا آيات الأمانة، وجب أن نصون الأمانات.
– وإذا قرأنا آيات الرحمة، وجب أن نرحم الضعفاء والمحتاجين.
– وإذا قرأنا آيات الإصلاح، وجب أن نسعى إلى الإصلاح في حدود استطاعتنا.
– وإذا قرأنا آيات النهي عن الظلم والفساد، وجب أن نتجنب الظلم والفساد، وأن نعمل على مقاومتهما بالوسائل المشروعة.

ولا يعني العمل بالقرآن الاقتصار على الفهم الشخصي، بل يشمل التعلم من أهل العلم، وفهم النصوص في سياقها، ومراعاة الأحكام الشرعية ومقاصدها.
إن القرآن ليس كتاباً نتلوه بألسنتنا فحسب، بل كتاب هداية نتعلم منه كيف نعبد الله، وكيف نتعامل مع الناس، وكيف نقيم العدل، وكيف نصلح الحياة.

ثامناً: لا يكفي أن نتمنى الإصلاح، بل علينا أن نبدأ بأنفسنا

من السهل أن نلقي مسؤولية الفساد والتقصير على الآخرين، وأن ننتقد المجتمع والحكومة والمؤسسات، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ أيضاً بمراجعة الذات والاعتراف بالتقصير وتصحيح الأخطاء.
قال الله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: ٤٤].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥].
فلا بد أن يسأل الإنسان نفسه: هل أؤدي واجباتي؟-
– هل أحفظ حقوق الآخرين؟
– هل أفي بوعودي؟ هل أعدل في أحكامي؟
– هل أراجع أخطائي
– هل أقدم مصلحة المجتمع حين تتعارض مع بعض مصالحي الشخصية؟

ولا يعني إصلاح النفس الانعزال عن المجتمع أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يعني أن يجمع الإنسان بين إصلاح نفسه، ونصح الآخرين بالحكمة، والمساهمة في إصلاح المجتمع.

– إن من يطالب بالنزاهة ينبغي أن يكون أميناً،
– ومن يدعو إلى العدل ينبغي أن يعدل،
– ومن يطالب بالإتقان ينبغي أن يتقن،
– ومن يدعو إلى الوحدة ينبغي أن يتجنب إشعال الخصومات بغير حق.

لا تنتظر أن يصلح الجميع حتى تبدأ، بل ابدأ بما تستطيع، وكن جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.
تاسعاً: العمل الجماعي يحول القيم إلى إنجازات
إن كثيراً من المشكلات لا يستطيع الأفراد حلها منفردين، ولذلك يحتاج العمل الصالح إلى تعاون منظم، وتوزيع للمسؤوليات، وتخطيط، ومتابعة، وتقييم للنتائج.
قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة: ٢].
وقال سبحانه:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: ١٠٨].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
متفق عليه.

فإذا أردنا نشر التعليم، أمكن للعلماء والمعلمين ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية أن يتعاونوا في إنشاء المدارس ودعم الطلاب وتدريب المعلمين.
وإذا أردنا مكافحة الفقر، أمكن التعاون على التدريب المهني، وتمويل المشروعات الصغيرة، ورعاية الأسر المحتاجة، وتوفير فرص الإنتاج والعمل.
وإذا أردنا إصلاح المجتمع، أمكن تنظيم مبادرات للشباب، وبرامج للتوعية، ومشروعات للخدمة العامة، وآليات مؤسسية لمعالجة المشكلات.
لكن التعاون الناجح لا يقوم على الحماس وحده، بل يحتاج إلى أهداف واضحة، ومسؤوليات محددة، وموارد معلومة، وشفافية، ومحاسبة، وقياس للنتائج.
فالعاطفة تجمع الناس في البداية، لكن وضوح الهدف، وحسن التنظيم، واستمرار العمل هي التي تجعل جهودهم مثمرة.
عاشراً: كيف نحول الكلام عن الدين إلى برنامج عملي؟
لكي لا يبقى حديثنا عن الإيمان والأخلاق والإصلاح مجرد مواعظ مؤثرة، لا بد أن نترجمه إلى خطوات عملية واضحة:

– في العبادة: المحافظة على الفرائض، وتدبر القرآن، والتعلم المستمر، ومحاسبة النفس على التقصير.

– في الأخلاق: الصدق في القول، والأمانة في المعاملة، والعدل في الحكم، والوفاء بالوعد، والابتعاد عن الغيبة والظلم والغش.

– في الأسرة: حسن المعاملة، وتربية الأبناء، ورعاية الوالدين، وتحمل المسؤوليات الأسرية.

– في العمل: احترام الوقت، وإتقان الواجبات، وصيانة المال العام والخاص، ورفض الرشوة والغش، وأداء الحقوق.

– في المجتمع: مساعدة المحتاجين، ودعم التعليم، ورعاية الأيتام، وإصلاح ذات البين، والمشاركة في المبادرات النافعة.

– في إدارة المؤسسات: وضع أهداف محددة، وتوزيع المسؤوليات، وتقييم الأداء، ومكافحة الفساد، وتحقيق الشفافية والمساءلة.

– في العمل الجماعي: الانتقال من المبادرات الفردية المتفرقة إلى مشروعات منظمة ذات أهداف وموارد ونتائج قابلة للقياس.

– في مراجعة الإنجاز: ألا نكتفي بالسؤال عما قلناه أو خططنا له، بل نسأل عما نفذناه، وما تحقق، وما بقي، وكيف نعالج أوجه القصور. وهنا ينبغي التمييز بين قيمة العمل عند الله، التي تتعلق بالإخلاص وصحة العمل وموافقته للشرع، وبين قياس النتائج الدنيوية، الذي يساعدنا على تقييم فاعلية المشروعات والمبادرات وتحسينها.

خاتمة:

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات التي لا تجد طريقها إلى الواقع، ولا إلى عواطف تتوهج في المناسبات ثم تخبو، ولا إلى مظاهر دينية تنفصل عن الأخلاق والمعاملات.
إنها تحتاج إلى إيمان يثمر صدقاً، وعبادة تربي على التقوى، وعلم يتحول إلى معرفة نافعة، وأخلاق تحمي الحقوق، وعمل متقن يرفع الإنتاج، وتعاون يجمع الجهود، ومسؤولية تدفع إلى الإصلاح.
فلنجعل الإيمان عملاً، والعلم تطبيقاً، والأخلاق سلوكاً، والمحبة تضحية، والدعاء مصحوباً بالسعي، والشعارات مشروعات، والأماني إنجازات.
ولنتذكر دائماً أن صلاح النيات لا يعفينا من بذل الأسباب، وأن صدق المشاعر لا يغني عن أداء الواجبات، وأن محبة الخير لا تتحقق ثمرتها إلا بالسعي إليه.
فليس المطلوب أن نتحدث عن الإسلام أكثر فحسب، بل أن نجسد قيمه في حياتنا، ونترجم مبادئه إلى أعمال، ونقدم للناس من خلال سلوكنا وإنجازنا نموذجاً حياً لأثر الإيمان في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وسلم

والحمد لله رب العالمين.

د. عبد المهيمن عثمان حسن بادي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

xnxx Xnxx Xnxx xxnx